ابن الجوزي
122
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
فقال الأشعث : يا معاوية ، لأي شيء رفعتم هذه المصاحف ؟ قال : لنرجع إلى أمر الله به ، تبعثون رجلا ترضون به ، ونبعث منا رجلا ، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه ، ثم نتبع ما اتفقا عليه . فجاء الأشعث إلى عليّ فأخبره ، فقال الناس : قد رضينا ، فقال أهل الشام : فإنا قد اخترنا عمرو بن العاص ، فقال الأشعث وأولئك الذين صاروا خوارج بعد : فإنا رضينا بأبي موسى الأشعري ، فقال عليّ : إنكم عصيتموني في أول الأمر فلا تعصوني الآن ، إني لا أرى أن أولي أبا موسى ، فقال أولئك : إنا لا نرضى إلا به ، قال : فهذا ابن عباس ، قالوا : لا نريد إلا رجلا هو منك ومن معاوية سواء ، ليس إلى واحد منكما بأدنى منه إلى الآخر ، قال : فإنّي أجعل الأشتر ، قالوا : وهل سعر الأرض غير الأشتر ؟ قال : فاصنعوا ما شئتم ، فقال الأحنف لعليّ رضي الله عنه : إنك قد رميت بحجر الأرض ، فإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم ، ويبعد حتى يصير بمنزلة النجم منهم ، فإن أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا أو ثالثا فإنه لن يعقد عقدة إلا 48 / أحللتها ، ولن يحل / عقدة أعقدها إلا عقدت لك أخرى أحكم منها . فأبى الناس إلا أبا موسى . فكتبوا : « بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما تقاضى عليه عليّ أمير المؤمنين . . . » . فقال عمرو : اكتب اسمه واسم أبيه ، وهو أميركم ، أما أميرنا فلا ، فقال الأحنف بن قيس : لا تمح اسم « إمارة المؤمنين » فإنّي أخاف إن محوتها لا ترجع إليك أبدا ، فأبى ذلك عليّ ، فقال له الأشعث : امح هذا الاسم برّحه الله [ 1 ] ، فمحي ، فقال علي : الله أكبر ، سنة بسنة ، والله إني لكاتب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الحديبيّة إذ قالوا : لست رسول الله ، ولا نشهد لك به ، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك . فكتب : هذا ما تقاضى عليه عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضي عليّ على أهل الكوفة ومن معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين ، وقاضي معاوية على أهل الشام ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين ، إنا ننزل عند حكم الله وكتابه ،
--> [ 1 ] في ت : « ببركة الله » .